شاطئ الخبــــــر
مع تشرين الأول ، كل عام ، تنفرج أسارير الطقس ..
في منتصفه يندلق القمر ، يبلل جلباب البحر المعتم بذوب الفضة النقية في قدح الضوء ..
كعادته البحر يتقن حصاري ، وأنا يدهشني أن أقع في أسره ..
منذ أشهر وكرة الثلج تكبر حول مشكاة الشعر في جوفي ..
أشعر الآن بيد البحر تمتد الى منطقة في صدري وتضغط فوق أضلاع الثلج ، أشعر به يتكسّر ،
أكاد أسمع هسهسته ، أكاد أشم رائحته وهو يذوب في كف البحر ..
لكن الشاطئ الشرقي يحاصره رائحة ( العمالة ) الأسيوية ، التي يممت شطر البحر ، شطر آسيا ،
لتبعث برائحتها الى تلك الأصقاع ، هناك يعرفها الأهل ، يتلقفونها فيطلقون البحر من أساره ..
البحر يأسرني وتخطفه رائحة العمالة الآسيوية .
هايد بارك
وجهان لهايد بارك :
وجه في الغيم ووجه حين تطويه الشمس .
عملة واحدة بوجهين :
وجه ارملة تدعى ( فيكتوريا) تقعد على كرسي من رائحة البارود ، تغسل رجليها
في حوض من ( بهارات آسيا وذهب أفريقيا ) ، واتخذت من رقاب الهند متكأً.
وامتلأت الأرض بلون عينيها وثوب حدادها .
وحيدة الآن تنتصب عند بوابة كنزكتون .
وجه مطلّقة تدعى ( ديانا سبنسر ) لم ترث لندن عنها سوى عقد في قاع هايد بارك ، قيل
عقد زفافها يوم أن كانت عروس الدهر .
وحيدة ماتت في حضن أسمر من بلاد البحر المشقوق .
وجه فيكتوريا مكتنز بشحم المستعمرات .
وجه دايانا شاحب بحب المسعمرين .
في الغيم ينتعش الغرباء مثلي ، وتسكن الحمامات والبط والسناجب لوجوهنا
تغدو أليفة وجوهنا ،
حتى الغربان تصير أكثر ثقة بالغرباء ..
نساء لندن ،
رجالها ،
يعري الغيم ُ وحدتهم
ليز يستغرقها كلبها بوبي .
وتوني لن يشاركه الظهور على مرآة غرفته إلا كلبه الذي جعل له كل تركته وصية ..
إنسان لندن لا بواكيه له ..
وحيداً يشبُّ
وحيداً يحترق
وحيداً يموت
ويرثه كلب .

في اليوم المشمس ، الغرباء مثلي يذبلون ، لا يلقون بالاً للحمام والسناجب ، فهي الأخرى
كما إنسان لندن تنتشي للشمس ، وتمد أجنحتها على العشب وتنفض ما علق فيها من الغيم .
ليز وتوني وكلباهما ما يزالون يقاتلون زحف الوحدة داخل صدورهم ، حجراتهم ، وعلى مراياهم ،
ليزا وحيدة ، حتى مرآتها لاتستطيع رسم ملامحها ..
مرآتها وحيدة ، لاتعكس إلا زئبقها ..
وتوني وحيد أيضاً
وكلباهما عبثاً يتراقصان ويلعبان ويركضان هنا وهناك ، بحثاً عن من يشاطرهما المخدع ؛
كما ليز وتوني .









أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية